نحو تنوير عربى جديد

24

بقلم المفكر التنويري الاستاذ الدكتور حسن حنفي

محاولة للتأسيس:

مصطلح “التنوير” الآن من أكثر الألفاظ العربية تداولاً منذ عقدين من الزمان، بعد أن ظهر المد الإسلامى وانتشر فى الثقافة والإعلام والتعليم والحياة العامة. روجت له الاتجاهات “العلمانية” مستقلة عن الدول أو بتأييد منها للوقوف فى مواجهة التيار الإسلامى متهمة إياه بالظلامية.

وعادة ما يوصف بالعربى وليس بالإسلامى، قراءة للماضى فى الحاضر، وإسقاطاً من الحاضر على الماضى. فمنذ فجر النهضة العربية، والعرب يعيشون عصر تنوير عربى، ويحنون بعد انتكاسة التنوير الأول إلى تنوير عربى جديد.

ولم ينج الإسلام أيضاً والتيارات الإسلامية من استعمال اللفظ مع تعديل فى الاشتقاق من “تنوير” إلى “مستنير”. فالإسلام المستنير هو الإسلام الإصلاحى الذى يحاول إحياء الإصلاح القديم ودفعه خطوة نحو الأمام فى خطاب ثالث يجمع بين الخطاب السلفى التقليدى والخطاب العلمانى الغربى. يقبل الحوار مع الطرفين،ويشارك فى قيم التنوير التى تمثلها المعتزلة والفلاسفة والعلماء وفلاسفة التنوير فى الغرب خاصة فى فرنسا فى القرن الثامن عشر ومعرفة العرب بها بعد تقديمهم فى مصر والشام منذ رفاعة الطهطاوى.

ومع ذلك يظل لفظ “التنوير” لفظاً مرتبط بالغرب، بالفلسفة الغربية خاصة فى القرن الثامن عشر، عصر الثورة الفرنسية. وما زال أشهر فلاسفة التنوير روسو، وفولتير، ومونتسيكيو، ودالبير، ودويدرو، وتيار “دائرة المعارف الفلسفية” فى فرنسا وفى ألمانيا، هردر وكانط ولسنج وفشته، وفى انجلترا دعاة الدين الطبيعى، وفى أمريكا توماس بين، وفى إيطاليا روزمينى.

وبالرغم من أن التنوير موجود فى كل حضارة إلا أن التنوير الغربى الحديث هو الذى غلب على الأذهان، فاحتكر الحاضر الماضى وطغى عليه. إذ يمثل كونفوشيوس فى الصين حركة تنويرية فى الدين الصينى القديم، قراءة أخلاقية إنسانية اجتماعية لكتاب “التغيرات”. والبوذية اتجاه تنويرى فى الهندوكية القديمة تتجاوز العقائد والطقوس وتعدد الآلهة إلى الدين الروحى الخالص. والفلاسفة اليونان سقراط وأرسطو وأفلاطون يمثلون التنوير العقلانى اليونانى فى مواجهة الأساطير اليونانية وحكم الطغاة. ييمثل عصر بركليس”فى التاسيخ اليونانى عصراً تنويرياً. والاسلام دين تنويرى يقوم على العقل، ويؤفد حرية الإنسان ومسئوليته والعدالة اناجتماعية والمساواة، وقدرة الإنسان على السيطرة على قوانين الطبيعة بعد اليهودية الاختياريث الاصطفائية والهسيحية القلبية المخلصية. والرشديث اللاتينية فى انعصر الوسيط المتأخر تمثل حركة تنوير ضد الكنيسة والدولة والإقطاع.”فالبنوير الأوروبى فى القرن الثامن عشر ما هو إلا”مرحلة من مراحل التنوير البشرى الذى يميز”كل حضارة، وكأن كل حضارة”تمر ضرورة بحركة”تنوير فً مقابل الاتجاه المحافظ. وعادة ما يطلق على التنوير صفة العربى أكثر من الإسلامى بالرغم من أن وصف الفكر الحديث يكون على التبادل بين الصفتين، الفكر العربى أو الفكر الإسلامى. فالأفغانى ومحهد إقبال وأحمد خان وأبو الأعلى المودودى يأبو الحسن الندوى من المصلحين الإسلاميين وان لم يكونوا عرباً. وشبلى شميل، وفرح أنطون، وأديب اسحق، وسلامة موسى، والبستانى، واليازجى، وزيدان وحملة التنوير من المهاجرين الشوام إلى بر مصر عرب وان لم يكونوا مسلمين ديناً. كالإسلام ثقافة جميع العرب، مسلمين ومسيحيين.
ولا يعنى التأسيس هنا التأسيس الفلسفى بالضرورة، فالخطاب العربى المعاصر حامل لواء التنوير ما زال خطاباُ ثقافياً عاماً خالياً من الاحكام الفلسفى، مصطلحاً وموضوعاً ومنهجاً. يضم الخطاب الثقافى العام والتاريخى والأدبى والسياسى والقانونى والاجتماعى والدينى العام. لذلك ارتبط التنوير بهذه المجالات كلها. ودخل فيه الأفغانى ومحمد عبده من الإصلاح الدينى، والطهطاوى وخير الدين التونسى من الإصلاح السياسى لبناء الدولة الحديثة، وشبلى شميل وفرح انطون من أجل إعادة بناء الموقف من الطبيعة على أساس علمى.

اتسم التنوير العربى بالتنوع والشمول. وتعددت النماذج على مدى ثلاثة قرون فى التيارات الرئيسية الثلاثة فى الفكر العربى المعاصر، الإصلاح الدينى، والسياسى الليبرالى، والعلمى العلمانى. وبالرغم من هذا التنوع والشمول إلا أنه يخضع لبنية واحدة، وتنطبق عليه أحكام واحدة. وهذا هو معنى “التأسيس” أى البحث عن الجذور المشتركة للتنوير العربى بكل تياراته وعلى مدى أجياله.

ويضم التنوير العربى مساحة زمنية تتجاوز القرنين من الزمان، القرن الماضى وهذا القرن الذى انقضى، التاسع عشر والعشرون. ويتزاحم فيها التاريخان الميلادى والهجرى. فالفكر العربى هو جماع الوافد والموروث، ما يفد من الغرب الحديث وما يأتى من التراث القديم. ويتبادل على الفكر الوصفان، الحديث والمعاصر. فهو الفكر العربى الحديث الذى يضم قرنين. وهو أيضاً الفكر العربى المعاصر الذى قد يشير إلى القرن العشرين فقط دون تحديد زمنى دقيق للوصفين. ولما كانت جذور المعاصر فى الحديث، وكان الفكر العربى المعاصر امتداداً للفكر العربى الحديث استمراراً أو انقطاعاً، تواصلاً أم ردة فإن التنوير العربى يضم التجربتين معاً. وإذا كان الجيل يمثل أربعين عاماً فان التنوير العربى قد حملته خمسة أجيال على الأقل فى الفكر العربى الحديث والمعاصر.

ويصعب التمييز فى هذه المساحة الزمنية بين الفكر والواقع، بين الفلسفة والسياسة، بين الموضع والموقف، بين النظر والعمل. فالباحث جزء من الموضوع، يحمل هموم الفكر والوطن، وجزء من حركة التحرر العربى وأحد روافد التنوير العربى الإسلامى.

كما أنه يصعب التمييز بين ما هو كائن وما ينبغى أن يكون، بين التقرير الخالص وبعض الأمنيات. وصف ما هو كائن استسلام وعجز وإحباط وتشاؤم، والحلم بما ينبغى أن يكون طوباوية وأحلام يقظة. والتنوير العربى بين الاثنين يتجاوز ما هو كائن دون الإغراق فيما ينبغى أن يكون.

وتتعدد المناهج فى تناول الموضوع. إذ يمكن استعمال المنهج التاريخى النقدى الذى يقوم بعرض نشأة التنوير العربى وتطوره وتموجاته وجدليته. ويعتمد على أكبر قدر ممكن من الإحالات إلى المصادر الرئيسية والمراجع الأساسية، النصوص والدراسات لإعطاء أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الموضوع بالرغم من توافرها بل وتكرارها من دراسة إلى أخرى على مدى أكثر من تصف قرن. يستعرض فيه الباحث قدرته على التجميع والحشد للتواريخ وأسماء الأعلام ومؤلفاتهم، ويفيد المبتدئين وصغار الباحثين.

ويمكن الاعتماد على منهج تحليلى فكرى خالص يقرأ ما بين السطور، ويتحول من المعلومات إلى العمل، ومن التاريخ إلى البنية، ومن المعلوم إلى المجهول، ومن الواقع إلى الفكر، ومن الدال إلى الدلالة. ويحاول أن يستبطن الأمور بناء على تجربة حية تتكشف فيها ماهية التنوير. فالموضوع يظهر من خلال الذات، والتجربة الجماعية، الحضارية والتاريخية تتكشف من خلال التجربة الفردية والموقف الحياتى المشترك، وهو ما يعرف باسم الظاهريات، فلسفة ومنهجاً.
والتنوير العربى كمصطلح هو صورة فنية أثيرة فى الثقافة العربية الإسلامية،مشتقة من لفظ النور التى منها آيات النور الشهيرةنور على نور، قبل أن يشير إلى التنوير الغربى. لذلك يمكن الحديث عن فجر التنوير العربى وغسقه، وظهره وضحاه؛ استكمالاً للصورة. وقد تكون الصورة إحدى تجليات الموضوع فى الذات. لذلك كانت لغة التصوير الفنى أبلغ فى الإقناع والتأثير والإيحاء من اللغة العقلية. الرياضية أو المنطقية المجردة أو اللغة العينية الحسية الملموسة.




اترك تعليقاً